الهروب الكبير إلى جورجيا

حينما ننظر إلى قضية هروب الفتيات فعلينا رؤيتها بصدق قدر المستطاع، فالنظر إلى الأشياء بشكل آخر قد يفقدنا فرص التعامل الجيد واتخاذ القرارات الجيدة، يثير هذا الموضوع حادثة هروب فتاة سعودية من عائلتها أثناء تواجدهم في تركيا قبل أيام، وهي بحاجة إلى دراسة حالة تساعد في فهمها ضمن ظاهرة متزايدة ومعقدة في حيثياتها وأسباب ظهورها.
قد يختلف الكثير مع هذا الرأي ويفسره بالتبرير أو التشجيع، ولكن الأهم من ذلك هو التفكير في الاستدلالات القائمة فيه حتى لو اختلفت عن طرق التفكير الأخرى، ومن ذلك وجدت أن أكثر المستنكرين لهذه الحالة لا يبررون للفتاة الهاربة شعورها بالضرر والاضطهاد الذي قد يدفعها للهرب، مما يعني أن التعامل يأتي مع النتائج لديهم أكثر من فهمهم للأسباب التي توجدها، هذا بالرغم من وجود الكثير من الحالات التي تجد في الهرب حلا من التضييق وسوء التعامل كنتيجة للمعاناة من مساوئ النظرة الاتهامية للمرأة والتي تدفعها بالتالي للانحراف وفعل ما يتوقعه محيطها منها، حينها تزداد الفجوة ويزداد حجم الضرر في الحالات الجانحة أو المنحرفة التي يزداد بها التدهور للوقوع في الجريمة، وهذه أيضا حالات خاصة يصعب عليها تقبل الواقع الذي يصعب عليه تقبلها، فخطيئة الفتاة تكلفها ضياع مستقبلها من واقع يحتويها وترضى عن العيش فيه، مما يدفعها لمواجهة المجهول رغم مخاطره.
الهروب حالة مخزنة في اللاوعي يدفعها عدم الرضا عن الحياة الواقعية، وقد يتشكل في مظهر هروب معنوي له مبرراته النفسية وأحاسيسه التعويضية كالانطواء على النفس أو النوم لفترات طويلة أو الإدمان، ويتضح ذلك أيضا في بحث الفرد عن صحبة وأصدقاء يتصفون بسوء الأخلاق واللامبالاة، بينما يظهر فعليا في أشكال الهروب من الأسرة أو الانتحار في أسوأ الحالات.
لعل من أهم أسبابه هو التفكك الأسري أو شدة الرقابة والمحاسبة والعنف في وسط الأسرة، كذلك الإحساس بالفشل والانتقاص لعدم شعور الفرد بالتقدير في أسرته كحاجة إنسانية ملحة، مما يسبب حالة من الكبت العاطفي والخوف من إظهار ما بداخله بطريقة تعرضه للسخرية أو الرفض.
هذا وغيره يفسر ضعف دور الخدمة الاجتماعية في المجال الأسري، فلا بد من تأهيل الأسرة وتوعيتها لاحتواء أفرادها وحمايتهم وتنشئتهم بالشكل السليم، حيث إن هناك عددا من الأسر تفتقد لدور الأخصائي الذي يمتلك الأدوات والطرق العلاجية بالشكل الذي يعرض علاقات أفرادها للاضطرابات وسوء التوافق المؤدي لتفكيك الأسر وضياعها.
المصدر