عـمـيــد الأســرة.. ربّان العائلة وعمودها الفقري


مثل عميد الأسرة العمود الفقري الذي يسهم في لم شمل العائلة، واحتواء مشاكل أفرادها وحل خلافاتهم، وتقديم الرأي والمشورة عندما يحتار الأمر بينهم، إلى جانب دعمهم وتلبية احتياجات كل فرد منهم، وعنده يلتئم اجتماع العائلة خلال ايام العيد في جو عائلي بهيج يلتقي فيه الجميع صغارا وكبارا دون تخلف اي منهم تقديرا واحتراما لكبير الاسرة، ورغم مساهماته الحسنة، ومبادراته الايجابية إلا انه أصبح في وقنا الحاضر وعند جيل اليوم المنشغل في حياته اليومية، والمنجرف مع تحولات الحياة المجتمعية مهمشا لا قيمة له، ولا هيبة لسلطته.

“الرياض” تستطلع رأي العديد من المختصين وذوي الصلة لمعرفة آرائهم حول دور عميد الأسرة وواقعه اليوم، وللوقوف على آليات إعادة دوره وهيبته كما في السابق.

التغير الاجتماعي

أشار خالد الدوس- باحث أكاديمي، متخصص في القضايا الاجتماعية- إلى أن مظاهر التغير الاجتماعي الواسعة التي يمر بها المجتمع السعودي، وتحولاته الاجتماعية والثقافية، وكذلك الاقتصادية السريعة في واقعه المعاصر نتيجة التحديث والمستجدات التي طرأت على سطحه الاجتماعي أدت إلى ظهور أنماط جديدة من السلوك الاجتماعي والعادات والتقاليد والقيم المستوردة، مؤكداً على أن أي تغير يطرأ على أيديولوجية المجتمع لابد أن ينعكس على الظواهر والمؤسسات والنظم الاجتماعية، بما فيها النظام الأسري وعلى حياة الأفراد أنفسهم، ومن الظواهر السلبية التي تمخضت من رحم التحولات المجتمعية وإرهاصاتها داخل البناء الأسري تهميش دور عميد الأسرة اجتماعيا، وانحسار أهميته ووجوده في دائرة اللاوعي.

تفكك الأسرة

ولفت الدوس إلى أن عميد الأسرة كان في فترة من الفترات يمثل صمام أمان للعائلة، والمرجع الأكثر تأثيرا ونفوذا في حل معظم المنازعات والخلافات الأسرية، واحتواء كثير من المشكلات والمناكفات القرابية، ولم شمل الكيان العائلي أو القبلي بحكمة واعتدال، فضلا عن دوره المحوري القيادي في حفظ توازن العادات والتقاليد والقيم الاجتماعية الأصيلة في سياقها العائلي، ولكن رياح المتغيرات الاجتماعية والتحولات الاقتصادية أضعفت دور عميد الأسرة وكبيرهم، وتراجعت قيمته فيما يتعلق بالسلطة والمهابة والطاعة والاستشارة، وأصبح في زاوية التهميش الاجتماعي. وأرجع الدوس ذلك إلى تفكك الأسرة، مضيفاً: كانت الأسرة قديما تضم الزوج والزوجة وأبناءهما المتزوجين وغير المتزوجين الذين يقيمون في منزل واحد أو في عدة منازل متجاورة ويشتركون في معيشتهم وحياتهم الاجتماعية، والسلطة العليا على شؤون العائلة للرجل الأكبر سنا الذي يكون مرجعا لأفراد الأسرة في همومها وشؤونها لما يتمتع به كبيرهم وعميدهم من سمات أخلاقية ودينية واجتماعية تجعله قادرا على ضبط زمام الأمور العائلية بحكمة ووعي وهدوء واتزان، ومع التحولات الاجتماعية أصبحت الأسرة الصغيرة تتكون من الزوج والزوجة وأبنائهما غير المتزوجين فقط ومع هذا التغير الاجتماعي في النظام الأسري وبنائه كان كفيلا أن يفقد كبير الأسرة دوره القيادي المؤثر وتتراجع مكانته المشورية وتتقلص أهمية وجوده وظيفيا.

احتواء المشاكل

وأشار الدوس إلى أنه يمكن إعادة دور عميد الأسرة وكبير العائلة في ضبط كثير من المشكلات والخلافات والتصرفات الأسرية والمحافظة على عادات وتقاليد وقيم البناء العائلي أو القبلي من خلال الاعتراف بأهمية دوره القيادي إذا كان صاحب خبرة حياتية وتجربة رصينة تتمتع بالمبادئ والقيم والأخلاق والحكمة، وملما بالأمور الأسرية وشؤونها، وقادرا على احتواء مشكلاتها، والفصل في قضاياها المعاصرة، وضبط توازنها بالرأي والمشورة والبصيرة والوعي الحضاري والفكر الرشيد.

دور مهم

وشدد د.عبدالعزيز الزير على أهمية تعزيز قيمة عميد الأسرة في جعلها أسرة متناغمة متكافلة، ومترابطة متراحمة يسرهم ما يسر فردهم، ويضرهم ما يضر فردهم، ودوره في أن يتكفل برعاية أسرته ويبحث عن حلول لمشاكلها، ويعمل جاهدا في أن يرتقي بها قيمة ووجاهة، وعلى النقيض من ذلك تفكك الأسرة وعدم وجود عميد يضبطها، ويكون مرجعاً لمشاكلها وما يدور فيها من تناحرات ومشاكسات بين أفرادها يقود إلى التفكك والتفرقة وضياع هيبتها ووجاهتها، ويصبح كل فرد منها يقوم بحل أموره بذاته ما يجعله عرضة للكثير من المصاعب التي تعترض تحقيق أهدافه، لافتا في الوقت ذاته إلى أن عميد الأسرة فقد دوره عند كثير من الأسر بسبب ظروف الحياة التي جعلت الأبناء يعتمدون على أطراف أخرى لحل مشاكلهم، أو طلب الاستشارات، أو الواسطة والتزكية للحصول على مبتغاهم، إلى جانب اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي في طلب العون والشفاعة أو التسول، حتى سحبت البساط من تحت أقدام عمداء الأسر متناسين أن عميد الأسرة هو الواجهة لهم أمام بقية الأسر، والمتحدث بلسانهم والأب الحاني والناصح الأمين، والمستشار الواعي لمن تحت رعايته دفاعاً وشفاعة ونصحاً وإرشادا وتربية وتعليماً. واقترح د.الزير من اجل إعادة هيبة عميد الأسرة أن يكون من الثقات بينهم وذي مكانة اجتماعية مرموقة، وأن يقف كل فرد منهم موقف حازما عندما يتطاول على عميدها، بالإضافة إلى وضع صندوق مالي خاص للأسرة يتم من خلاله مساعدتهم في حال تعرض احدهم لأي طارئ، أو طلب المساعدة في زواج أو سكن، وكذلك علاج أو غيره من الأمور التي تجعل لعميد الأسرة هيبة ومرجعية.

صلة الرحم

ويرى د.محمد الجوير أن من أسباب تهميش عميد الأسرة وتجاهله ضعف صلة الأرحام، وبعض وسائل الإعلام التي تعرض دراما تكرس مبدأ النفور والتذمر والتسلط والأنانية، إلى جانب وسائل التواصل الاجتماعي التي سلبت العقول والأوقات، ومستشاري الأسرة الماديين الذين يلجأ لهم دون عميد الأسرة، وكذلك الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية التي أدت إلى اتساع الهوة بين عميد الأسرة وأفرادها، مقترحا لإعادة هيبة عميد الأسرة استشعار أفراد الأسرة قيمته وخبراته التراكمية ومعاصرته ظروف الحياة الصعبة، وتعميق روح الاحترام وتعظيم صلة الرحم.

الناصح الحكيم

فيما قال د.سعود المصيبيح- مستشار تربوي وإعلامي-: هناك عدة أسباب أدت إلى تراجع سلطة عميد الأسرة منها الحياة المادية التي سيطرت على عدد من طبقات المجتمع وأصبحت المصالح هي من تقوي وتربط بين علاقات الناس، ويرى المصيبيح أن إعادة دور عميد الأسرة غير ممكن حاليا بعد ثورة الانفجار المعلوماتي، وتعقد أساليب الحياة، وضيق الوقت وكذلك توجه الناس إلى الانشغال بهمومهم ومتطلباتهم الحياتية، مقترحا تقوية بعض البدائل منها جماعة الحي وتعميق المجالس المحلية للأحياء حيث تتقارب الأسر، وتختار من يقرب ويؤلف القلوب ويرعى الأنشطة ويفعل البرامج التي تشغل وقت فراغ الشباب وإيجاد أنشطة لمختلف أعضاء الأسرة، كما يمكن القيام بدور الناصح والموجه والحكيم عند الحاجة. ويشير ابجاد النافل – مذيع تلفزيوني- إلى أن الحياة المدنية أصبحت معقدة وغيرت كثيرا من المفاهيم، والعادات التي كانت موجودة ومؤثرة في الحياة، لافتا إلى أن تراجع سلطة عميد الأسرة سببه التفكك الاجتماعي عند بعض الأسر والعائلات، بالإضافة إلى اعتمادها على نفسها وعلاقتها في حل مشاكلها، واللجوء أحيانا إلى أصحاب الجاه والمال من الأقارب لان كلمتهم مسموعة دائماً.

التغيرات الاجتماعية حجمت دور كبير الأسرة في لم شمل الأقارب


عميد الأسرة يحرص على لمّ شمل العائلة


احترام وتقدير كبير الأسرة تأكيد لدوره ومكانته

المصدر : جريدة الرياض (رابط الخبر)