كيف يرى الأخصائي الاجتماعي هذا النموذج ولماذا؟

كيف يرى هذا النموذج الأخصائي الاجتماعي ولماذا؟
أثير خالد النشوان

يعتقد الكثيرون أن الأخصائي الاجتماعي هو من يوجه العميل للتصرف الصحيح، أو هو من يقترح الحلول وهو أيضًا من يختار الحل الأمثل، وغيرها من الأفكار التي ترى أولوية الأخصائي الاجتماعي في العملية العلاجية، هل ترى صحة ذلك؟

سأتحدث عن نموذج ربما يرى عكس ذلك، فهو يرى أن العميل في طبيعة الحال يحتاج إلى المناخ الإيجابي والصحي، والذي يتم من خلال توفير التقبل والموائمة والتعاطف، وذلك يقع على عاتق الأخصائي الاجتماعي، والذي يجب أن يركز على العميل نفسه لا على مشكلته، أيضاً يركز هذا النموذج على أهمية إدراك العميل لذاته كما هي في حقيقتها وواقعها وليس كما ينبغي أن يراه الآخرون.

رفض عالم النفس الأمريكي كارل روجرز Rogers مقولة “المعالج يعرف أفضل”، لينادي إلى أن المعالج (أو الأخصائي الاجتماعي) له دور ثانوي، وللعميل الدور الأساسي في تحقيق أهداف العلاج، ويمكن القول أن هناك مفهوم رئيسي حاول  روجرز Rogers وزملاؤه التأكيد عليه، وهو مفهوم العلاقة المهنية وأهميتها في تحقيق أهداف العلاج. كما تعتبر الخطوات العلاجية في هذا النموذج هي المقترحة من العميل وعليه أن يجرب بنفسه هذه الخطوات بشرط توضيح مدى أهمية كل خطوة ومدى فعاليتها ولكن الرأي النهائي هو ما يراه العميل.

إنه النموذج المتمركز حول العميل، ويعتبر روجرز Rogers مؤسس هذا الأسلوب العلاجي، وقد استخدم مصطلح التركيز على العميل لأنه يرى أن العميل هو وحده قادر على حل مشكلاته وأنه لديه من القوى ما يمكنه من ذلك فالعلاج يركز على العميل ومشاعره وأفكاره وخبراته واتجاهاته وقدراته وإمكانياته التي تؤهله لأن يوجه نفسه ويتحمل مسئولية قراراته بما يساعده على تحقيق ذلك، فهو العلاج الذي يهتم بتغيير مفهوم الذات السلبية للعميل من خلال توفير الإحساس بالقيمة والاحترام الإيجابي وتقوية تقبل الذات. وهو علاج قصير يتضمن عدد من المقابلات يتراوح ما بين 8-12 مقابلة. (محمد، 2000: 14)

وتتمحور أهداف العلاج المتمركز حول العميل في تنمية رغبة العميل ومساعدته على إدراك وبناء وتقبل الذات، أيضاً التركيز على المشاعر السلبية وتشجيعه على مواجهتها بصراحة والاعتراف بأنها منحرفة وضارة ويجب التخلص منها.

ويهدف أيضاً إلى الإيمان بقيمة الإنسان وأنه يمتلك القدرات والإمكانيات وقادر على استثمارها، والوصول إلى معرفة العميل لذاته هو الهدف النهائي للعلاج فإذا ما تحقق ذلك أصبح العميل قادراً على التمتع بالاستقلال في الشخصية والتكامل في وظائفها. (موسى، 2015، 201)

ويرتبط هذا العلاج بعدد من المفاهيم مثل الخبرة Experience وهي مواقف يعيشها الفرد في زمان ومكان معين ويؤثر فيها ويتأثر بها، ويترجم الفرد خبراته إلى رموز كالكلمات أو الصور السمعية والبصرية، أيضاً مفهوم النزعة التحقيقية Actualization Tendency وهي النزعة الفطرية، أي الميل الفطري لتنمية قدراتنا البنائية، وهذه النزعة تدفع نحو التكاملية والإنجاز، أيضاً مفهوم الحاجة إلى الاعتبار الايجابي Need For positive Regard، أي الحصول على أشياء مثل الدفء، الحب، العطف، الرعاية، الاحترام، والتقبل من الأفراد الذين ينظر إليهم على أنهم ذوي أهمية في حياتنا. (القاضي، 2011)

يشمل العلاج المتمركز حول العميل ثلاث تكتيكات وهي تقبل المشاعر Feelings Acceptance، فبعد تعبير العميل لمشاعره يكون الأخصائي الاجتماعي مطالب بتقبل هذه المشاعر سواء كانت إيجابية أم سلبية، وعليه أن يظهر استجابات واضحة وصريحة للتعبير عن التقبل كالاحترام والتسامح وتجنب النقد، أيضاً تكتيك توضيح المشاعر Feeling Clarification، فبعد تقبل المشاعر يتم توضيح المشاعر بمعنى مساعدة العميل على إدراك هذه المشاعر وتقبلها كجزء من ذاته، والذي يزيد من استبصار العميل بمشكلته وأسبابها وآثارها على نفسه وعلى الآخرين، أخيراً تكتيك انعكاس المشاعر Feeling Reflection، حيث يكون الأخصائي الاجتماعي بمثابة المرآة العاكسة لمشاعر العميل وذلك من خلال إعادة صياغة هذه المشاعر بألفاظ وعبارات أخرى مع الحفاظ على المضمون والمعنى. (السنهوري، 2009: 181)


وهناك شروط مسهلة للتغير العلاجي في هذا النموذج ومنها الاعتبار الإيجابي غير المشروط، والذي يشير إلى ضرورة احترام الأخصائي الاجتماعي للعميل وتقبل كافة سلوكياته وآرائه واتجاهاته ومكوناته الشخصية وصفاته الفردية بصفة عامة دون أدنى قيود، أيضاً الفهم التعاطفي الدقيق، ويعني هذا الشرط إدراك الأخصائي الاجتماعي بدقة لمشاعر وأحاسيس العميل والخبرات التي مر بها وتوصيل هذا الفهم إلى العميل، أي قدرته على أن يبدي للعميل أنه يشعر بما يعانيه ويتفهم ما يحس به من ألم.

ولا يمكن القول بأن هناك نموذج أمثل للاستخدام، فكل أخصائي اجتماعي يقوم بالرجوع إلى طبيعة العميل وطبيعة المشكلة، وبناءً على ذلك التباين فهناك أوجه نظر في انتقاد هذا الأسلوب العلاجي مثل أن العلاج التمركز حول العميل يعتبر علاج بسيط يعتمد على العميل بالدرجة الأولى بالرغم من أن العملاء يتمايزون في مقدرتهم على تحمل المسؤولية، أيضاً افتقاره من عملية الإرشاد المنظم الذي يعتمد على مهارة الأخصائي الاجتماعي بدلاً من اتجاهاته.

أخيراً، من خلال ما تم استعراضه تلاحظ الكاتبة نقطة مهمة والتي يجب أن يتحلى بها الأخصائي الاجتماعي، وهو أن هذا النموذج يحتاج إلى أخصائي اجتماعي يمتلك مهارة الإنصات، ويستطيع منع توجيهاته وإرشاداته التي ربما اعتاد عليها في نماذج العلاج الأخرى، فيحتاج العلاج المتمركز حول العميل إلى أخصائي لديه القدرة والمهارة على الإنصات الجيد بصرف النظر عن صحة أو خطأ الأفكار والمشاعر والسلوكيات التي تُذكر، ولا شك بأنه الإنصات الذي يتضمن التركيز على ما يقال ومحاولة فهم وجهة نظر الطرف الآخر والإنصات إلى الأفكار وليس الكلمات فقط، والذي يجعل الأخصائي الاجتماعي يدخل إلى العالم الخاص بالعميل لمساعدته على التعبير عن ذاته، فبدون ذلك لن يستطيع الأخصائي استقبال رسالة العميل وستكون غير مفهومة بل وربما تنهار عملية التواصل.

هذا ما عندي فإن أحسنت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان، أسأل الله أن يجعل هذا العمل نافعاً مباركاً.

المراجع:

السنهوري، عبدالمنعم يوسف (2009) خدمة الفرد الإكلينيكية نظريات واتجاهات معاصرة: المكتب الجامعي الحديث.

القاضي، فتحية محمد (2011) ممارسة العلاج المتمركز حول العميل في إطار خدمة الفرد لزيادة تقدير الذات لدى المراهقين المودعين بالمؤسسات الإيوائية، مجلة دراسات في الخدمة الاجتماعية والعلوم الإنسانية، ع31، مج13.

محمد، هناء أحمد أمين (2000) فعالية العلاج المتمركز حول العميل في خدمة الفرد في تعديل مفهوم الذات للمراهقات مجهولات النسب، رسالة دكتوراه.

موسى، موسى نجيب (2015) العلاج في خدمة الفرد، دار المسيرة للنشر والتوزيع والطباعة: عمان.

(4) تعليقات

  1. نوت

    تسلسل رائع في طرح الموضوع فعلاً الكتابات شحيحة والكثير منها مراجع أجنبية شكراً لجهودك أ. أثير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *