أُسرة متوحدة

نوف العصيمي – جامعة الملك سعود
الاسرة هي نواة المجتمع وبنمو افرادها وتطورهم وتماسكهم ينمو المجتمع ويتطور ويتماسك، بالتالي يصبح لدينا مجتمع سليم افراده متماسكون كأبسط صورة، حيث ان العلاقات داخل الاسرة الواحدة مهمة جدا وقوتها تحافظ على النمو السليم لأفرادها، ولكن ما يحدث اليوم لحال الاغلبية العظمى من الافراد هو انغماسهم بشكل ملحوظ بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى في العالم الافتراضي ومواقع التواصل الاجتماعي (تويتر، انستقرام، واتساب، سناب تشات )على وجه الخصوص وغيرها من المواقع الأخرى، وهذا له انعكاسات وتأثيرات كبيرة على العلاقات بين افراد الاسرة تتمثل أهميتها في تغيير هوية الاسرة الفطرية وتتطلب النظر الفوري والوصول لحلول واقعية منطقية.

وهنا يكون السؤال ملحاً .. كيف تؤثر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل سلبي على العلاقات بين الاسرة الواحدة؟ وماهي أفضل الحلول لمجابهة هذا التأثير؟
فلو سلطنا الضوء اليوم على حال الكثير من الأسر لوجدنا انها اصبحت أسر افرادها متوحدين، معزولين عن بعضهم البعض، انعدمت لغة الحوار بينهم، كثرت مشاكلهم وتراكمت دون وجود حلول لها، يشعرون بالوحدة النفسية فالبعض يعتقد ان العلاقات الاجتماعية التي يكونها الفرد على أي شبكة اجتماعية قد تغني عن التفاعل الاجتماعي الحقيقي وهذا غير صحيح فالتفاعل ولغة الحوار بين افراد الاسرة من اهم اسباب النمو النفسي والاجتماعي السليم واستمراره، وقد يحدث نتيجة لهذه الوحدة النفسية الناتجة عن الانغماس في مواقع التواصل الاجتماعي مشاكل وخلاف بين الوالدين من الممكن ان تؤدي الى الطلاق ومن ثم تشتت للأبناء حيث ان “هناك حالات طلاق بنسبة تفوق 20% نتيجة لانغماس احد الوالدين في مواقع التواصل الاجتماعي وشك الطرف الاخر (محمود, 2011: 93)” وقد يسبب هذا الطلاق تشتت للأسرة بأكملها وهدم لعلاقاتها ودخول الابناء للعالم الافتراضي الاخر بشكل عميق كوسيلة للهروب من المشاكل الاسرية وتؤكد نظرية الازمة ان بعض الوالدين او الابناء في حالة الطلاق يسهل استهوائهم واستدراجهم، والعالم الافتراضي مليْ بالأفراد الذين يحملون صفات منبوذة ويبحثون عن الضحايا الذين يعانون من مشاكل ويسهل استهوائهم لتحقيق غايات وممارسات غير سوية، وفي دراسة أجرتها العريفي (2016) على عينة من طلبة جامعة الملك سعود وجامعة الامام محمد بعنوان اعتماد الشباب السعودي على شبكات التواصل الاجتماعي وتأثيرها على بناء علاقاتهم الاجتماعية اظهرت النتائج : ان الانغماس في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي يخلص من الشعور بالوحدة والابتعاد عن المشكلات التي يعانون منها، وان هناك انعدام للحوار الاسري في المنزل، وانعدام للزيارات الاجتماعية مع الأقارب، وانعزال عن افراد الاسرة لأوقات طويلة والشعور بالاكتئاب وعدم الرغبة في الحديث العام وادمان الجلوس على الاجهزة الإلكترونية والتأثر ببعض الآراء السلبية من الاصدقاء والتحدث في موضوعات خارج نطاق العادات والتقاليد والاندماج مع مجموعات غير معروفة تماما والكذب المتعمد في بعض الامور الشخصية.
من حق الجميع استخدام مواقع التواصل الاجتماعي ولكن بحدود وضوابط محددة، ويجب ان تصدر هذه الحدود والضوابط من الوالدين كونهم الاعمدة الرئيسية في المنزل وبالاتفاق مع الأبناء، وتطبق الضوابط على جميع افراد الاسرة بما فيهم الوالدين كاجتماع الاسرة في فترة المساء والحديث سويا ومناقشة الابناء ووضع حديثهم في عين الاعتبار والاهتمام بآرائهم لإشباع الحاجة الاجتماعية لديهم حتى لا يلجؤون للعالم الافتراضي الذي بالتأكيد يحتوي على مجموعة كبيرة من الافراد المختلفين المجهولين الذين سيسمعون لهم, كما يجب على الوالدين التفاهم في الامور الخاصة بهم بعيدا عن الابناء حتى لا يصبح الجو العام للمنزل متوتر ومنفر للأبناء، علما بأن التسلط الشديد من الابوين على الابناء ينتج عنه بيئة مليئة بالمشاكل، وخوف الابناء من طرح مشاكلهم للآباء المتسلطون يجعلهم يهربون للعالم الاخر، أي ان العطف والرفق بالأبناء واجب وحق على الوالدين، كما ان انشغال الوالدين له دور كبير في ضعف العلاقات بين الاسرة، وتصبح الاسرة متوحدة بشكل بارز لو كان انشغال الاب او الام او كليهما بمواقع التواصل الاجتماعي فكيف سيكون حال الأبناء حينئذٍ! اما سيحذون حذو والديهم وينغمسون هم ايضا بالعالم الافتراضي بالتالي تنهدم العلاقات بينهم بنسبة كبيرة، او سيكون هناك مشاكل لدى أحد افراد الاسرة ولن يجد من يسمع له وستظهر الاثار عليه قريبا او بعيدا.
ختاما أؤكد على وجود انعكاسات سلبية جرّا التعلق الشديد بمواقع التواصل الاجتماعي تهدد العلاقات الاسرية ومن يستطيع ان يواجهها ويتحكم بها هم الوالدين، لذلك يجب ان يكون لديهم الوعي الكامل بكل ما نمر به اليوم من تقدم وتطور وتكنلوجيا كونهم اساس التربية والتنشئة الاجتماعية لأبنائهم، ابناء هذا المجتمع, ويجب ان يكون هناك تفعيل للغة الحوار مع الابناء واشباع احتياجاتهم ومواجهة مشاكلهم وعدم ترك هذه المهمة للعالم الافتراضي المجهول، بل التوعية باستخدام هذه المواقع والمشاركة سويا باستخدامها في اوقات محددة، ويجب ان يعي الوالدين نقطة مهمة ان الابناء يفعلون كما يفعل والديهم، أي يجب ان يحافظ الوالدين على تصرفاتهم وسلوكياتهم ويعلمون ان هناك اعين تراقبهم وتفعل ما يفعلونه.

——–
نوف العصيمي
دراسات عليا – خدمة اجتماعية
جامعة الملك سعود