المواكبة التنموية للخدمة الاجتماعية مع تغييرات رؤية 2030م

إعداد: الهنوف محمد القاسم
شهد تاريخ مهنة الخدمة الاجتماعية تطورات عديدة، بِدءً بالدور العِلاجي المُباشر “ويتسم بالإحسان والطابع التطوعي” (حمزة، 2015: 129)، وصولًا للدور الوقائي التنموي باِستثمار طاقات أفراد المجتمع وموارده للتمكين والتنمية؛ فحرِصت المملكة العربية السعودية على تدريس الخدمة الاجتماعية بجامعاتها لِتُخرّج كفاءات علمية تُمكِّن وحداتها الاجتماعية، فإدارة الخُطط الخمسية وتقويم مدخلاتها ومخرجاتها أدى لِولادة رؤية الحاضر للمستقبل 2030م.
وترتكز الرؤية على مكامن القوة كما ذكر ولي العهد بإشعار الشعب والذي معظمه مِن الشباب بقيمتهم كثروة تعلو النِفط الذي سيستغنى عنه في 2020م بالموارد الطبيعية؛ لتعزيز قيمتها، وتهدف لتسهيل الإجراءات البيروقراطية لينتقل مؤشر فعاليتها في 2030 من 82 إلى 20؛ كخطوة لِمُعالجة الأداء الوظيفي وقياسه، ودمج التقنية بالرؤية، فبحوث الخدمة الاِجتماعية تؤكد على أهمية العمل الشبكي والإلكتروني بين القطاعات؛ لِمعرفة بيانات العُملاء كقاعدة للبحث العلمي ولِمنعهم مِن التحايُل والازدواجية في الحصول على الخدمات ولِحفظ الوقت والجهد؛ فيرتفع مؤشر الحكومات الإلكترونية من 36 للمركز الخامس، خصوصًا مع برنامج (دروب) الذي يهدف لتدريب 500 ألف موظف حكومي لتطبيق إدارة الموارد البشرية بمختلف الأجهزة والدورات والمدعوم من الموارد البشرية ومؤسسة التدريب المهني والتقني واِعتراف وزارة التعليم بتقديم شهادات معتمدة، وبلا مقابل مادي، كما أن جميع الدورات مُتاحة لجميع المواطنين؛ مِن باب المسؤولية الاِجتماعية، فتستطيع المنشآت المتوسطة والصغيرة المُساهمة في الإنتاج المحلي من 2% لـ35%؛ فيتشجع القِطاع غير الربحي كمسؤولية اِجتماعية لرفع مستوى إنتاجه من 1% لـ5%؛ مِما يُقويّ مهنة الخدمة الاِجتماعية في التسويق الاِجتماعي لأهمية ثقافة التطوع بالوصول لمليون متطوع سنويًا مُقابل 11 ألف متطوع حاليًا والذي يُجسد القيمة الإنسانية والإسلامية للمملكة، خصوصًا مع هدف الرؤية لرفع الطاقة الاستيعابية لضيوف الرحمن من 8 ملايين إلى 30 مليون؛ مما يعني الاِحتياج للفِرق والنوادي التطوعية بتحقيق أكثر من 450 نادي للأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية بسياسة مُنظمة؛ تعمل كمحرك اِقتصادي لإنشاء أكبر متحف إسلامي عالمي في الرياض؛ لجذب الزوار غير المسلمين وتنشيط السياحة ولتدعيم أهمية الآثار ورفع نسبتها المسجلة في اليونسكو للضعف، فتُبنى المسارِح ودور السينما بمختلف مناطق المملكة كمنفذ هام للخدمة الاِجتماعية: للتأثير في الثقافية والقيم، بالإضافة للمُدن الترفيهية والمعارِض الداعمة للفنون والمشاريع السعودية والعالمية، ليرتفع إنفاق الأُسر عليها من 2.9% لـ6% مع تباين اِتجاهات أفراد المُجتمع نحو تمكين المرأة بالسماح لها بالقيادة كمتغيرات ناتجة عن الرؤية والضريبة المُضافة واِرتفاع فواتير الكهرباء والنفط؛ لتتمكن المملكة من تصنيف 3 مدن سعودية كأفضل 100 مدينة في العالم؛ ويتحقق ذَلِك كُله بِاتجاه الرؤية لخصخصة القِطاعات، كإنشاء شركة لتصنيع نصف الاِحتياجات العسكرية محليًا؛ لتوطين طاقات تحمِل الولاء لوطن طموح، فتنخفض البطالة بحلول 2030 من 11.6% لـ7% وترتفع نسبة عمل المرأة بسوق العمل من 22% لـ30% في محاولة لرفع نسبة مُدخرات الأُسر من 6% لـ10% وهنا تتابين الاِتجاهات أيضًا، فالخدمة الاِجتماعية تُشير إلى أن التنمية الاِجتماعية الشاملة تعني التركيز على الصحة والتعليم والحياة الكريمة، فالرؤية بشفافيتها تحقق ذلك في 2020م برفع نسبة تملّك الأُسر للمساكن كحد أقصى لـ5% ولضبط الجشع في رسوم الأراضي، وفي 2030 الاِهتمام بِالصحة سيزيد متوسط العمر المتوقع من 74 لـ80 عام؛ بِتسويق أهمية مُمارسة الرياضة لمرة على الأقل أسبوعيًا من 13% لـ40%، فالرؤية هدفت لإطلاق عِدة برامج تصُب بِمصلحة العملية التعليمية بِجميع مراحلها مع تشجيع البحوث العلمية والتميز العلمي والمُبادرات الاِجتماعية المتنوعة بِدعم مسؤولي المملكة بِاختلاف مناصبهم لجهود الشباب وقدراتهم في إنشاء مشاريعهم الخاصة والتي تسهلت بعد تسهيل الإجراءات الروتينية وإدخال العمل الإلكتروني السريع؛ لِتشجيع إدارة المال داخل البلد بِدعمهم كأفراد مُنتجين؛ فالمُلاحظ أن الرؤية تتطلع لِرفع مستوى الوعي الاِجتماعي للمواطنين بِقُدراتهم وموارد بِلادهم؛ اِختصارًا لجميع القطاعات فركزت على التنمية الاِجتماعية الشاملة، لقوله تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) هود:61. (موقع الرؤية، ويكبيديا رؤية 2030م).
بالتأكيد سُلط الضوء على مهنة الخدمة الاِجتماعية وارتبطت برؤية 2030م؛ لِشِدة اِرتباطها بِجميع قطاعات المُجتمع ووحداته كجسد واحد تأثُراته تبادُلية فتواكب تنميتها، كما في النظرية البنائية الوظيفية (لبارسونز) المُنادي بِاستقرار المُجتمع، ولتُيسّر مقدرة الرؤية بإعادة توازن المُجتمع مُجددًا مع التطورات والتحولات السريعة؛ فتضيف لِصالحها رصيد علمي يُعبّر عن تأصيل مكانتها اِجتماعيًا، كنسيج مُتماسك يُمكّن ويُنمي المُجتمع، فالرؤية (فعل اِجتماعي) يعكس ثقافة المُجتمع وتوجهاته؛ فأرجع (ميرتون) مُشكلات المجتمع في عدم توافقه؛ لِثقافته، (عثمان وساري، 2010).
فنصل لِتساؤل هام: ما المواكبة التنموية لمهنة الخدمة الاجتماعية مع تغييرات رؤية 2030م؟ وما أهم التوصيات لتحقيقها؟ في الواقع مهنة الخِدمة الاِجتماعية ليست ركيكة لِتُنكِر وتتصدى لِلاِتجاهات المُعاكِسة للتغييرات الناتجة عن رؤية 2030م؛ بل إنها مِهنة ثرية علميًا بأساليب ومهارات وأدوار ونماذج وأدبيات عربية وأجنبية تجعلها تواكِب التغييرات بأسلوب تنموي؛ يؤدي لِبلوغ الرؤية لأهدافها، وأدواره كالآتي:
أولًا: الأخصائي الاجتماعي كَموجه: فيعمل بمرونة مع تباين اِتجاهات أفراد المجتمع نحو القضايا الحساسة في الرؤية (كتوطين الوظائف وعمل المرأة وغيرها)؛ لِتمسُّك المُجتمع بتقاليده، بِالمُشاركة في وسائل الإعلام وبرامج التواصل الاِجتماعي المؤثرة لغالبية المُجتمع؛ لِتوضيح منافع الرؤية لوحدات وقطاعات المجتمع.
ثانيًا: الأخصائي الاجتماعي كمُرشِد: فيشترك مع قطاعات المُجتمع؛ لتوعية فئاتها المستهدفة (كعملاء) بخدماتها وبرامجها، كبرنامج اِرتقاء التعليمي المستهدف لإشراك 80% من نسق الأسرة في العملية التعليمية مع نسق المدرسة ونسق الطالب، وكالقوانين المُستحدثة لِصالح المُجتمع كعقوبات اِستخدام الهاتف المحمول أثناء القيادة وعدم ربط الحِزام وأحقية الحضانة للأم المُطلّقة والخدمات الإلكترونية كحِساب المواطن وعنوان المواطن؛ لتوفر وقت ومواصلات المواطن وتُحقق اِحتياجاته بفاعلية.
ثالثًا: الأخصائي الاجتماعي كَمُثقِف: فيستخدم الجانب الروحي (الديني) لتعزيز مبدأ التغيير (كسُنة الحياة)، وتأكيده بأن الرزق بيد الله وإحسان الظن بِه؛ لِتأكيد تقبّلهم للرؤية ومحاولتهم الصادقة في الِانتفاع مِنها؛ بِالاِستعانة بمتخصصي العلم الشرعي المؤثرين.
رابعًا: الأخصائي الاجتماعي كمُنمّي: لمُشاركة أفراد المُجتمع لِانطباعاتهم واِقتراحاتهم حول الرؤية؛ كمسؤولية اِجتماعية ولضرورة الحاجة لتقبّل أفراد المجتمع لتغييرات الرؤية والتكيّف معها.
خامسًا: الأخصائي الاجتماعي كمُدافع: بِنشر ثقافة مُكافحة الفساد إلكترونيًا لأفراد المُجتمع بالتعاون مع الهيئة الوطنية (نزاهة)؛ لتوضّح أهمية مُشاركة المواطنين بالبلاغات ولتوعيتهم بِالشركات والمُنتجات المُخالِفة حفاظًا على صحتهم وأموالهم، وتطبيق (كلنا أمن) كنافِذة ليُقدم الفرد بلاغاته؛ فالمواطن رجل الأمن الأول، يقع على عاتقه الحِفاظ على البلاد ومُمتلكاتها.
سادسًا: الأخصائي الاجتماعي كمسوِّق: بِالتعاون مع مشاهير التواصل الاِجتماعي كواجهة مُحببة لأفراد المُجتمع لتسويق الجمعيات والأنشطة غير الربحية المتحولة من رعوية لتنموية؛ لتشجيع جهودها ولتحقيق نسبة مليون متطوع ولتشجيع المشاريع الصغيرة (كالأُسر المُنتِجة والشبابية)؛ بِاعتبارهم قوة الوطن.
سابعًا: الأخصائي الاجتماعي كمُخطط: فيبصر المُستثمرين بسهولة تلقي الدعم واِستقطاب الكفاءات لإنشائهم مُنظمات خدمية منّوعة تُقابل اِحتياجات فئات المُجتمع؛ فينمو القِطاع الخاص وتتوفر الوظائف (فينتقل الفرد مِن الاِحتياج للإنتاج).
ثامنًا: الأخصائي الاجتماعي كإداري ومنظم: بتعزيز الشراكة بين قطاعات المُجتمع بعد إصدار الملك سلمان آل سعود أمرًا بدمج وزارتي العمل والشؤون الاِجتماعية وتسميتها (بوزارة العمل والتنمية الاِجتماعية) بعد أيام قليلة من إعلان الرؤية؛ لِتخلّص من البيروقراطية وتسهيل خدمة العملاء وتنظيم العمليات القانونية ومُسايرة الجهود لِلرؤية.
وهُناك توصيات هامة لتتواكب تنمويًا مهنة الخدمة الاِجتماعية مع تغييرات رؤية 2030م، كالآتي:
أولًا: من حيث التعليم: ضرورة تخصيص فصل عن رؤية 2030 في مناهج الإدارة والتخطيط والتنمية لِتخصُص الخِدمة الاِجتماعية والعلوم الأُخرى، وتعزيز مُشاركة وزارة التعليم بمراحلها للجنسين في التوعية.
ثانيًا: من حيث الجودة: إلمام مختصي مهنة الخدمة الاِجتماعية والعلوم الأخرى بالمعلومات المُستحدثة حول الرؤية والأنظمة والقوانين بقطاعات المملكة؛ للتمكُن مِن مواكبة التغييرات وتنميتها اِيجابيًا.
ثالثاً: من حيث الدور: يجب على مختصي الخدمة الاِجتماعية العمل على دِراسة حاجات المُجتمع؛ لرفع مستوى ثقافته وخدماته لجميع الفئات والإشادة بثقلها في المجتمع، وإشباع المجال العلمي بِالبحوث والمقالات؛ كأدوات تُقوّي الرؤية وتوجه اِهتمامها لجوانب حديثة.
رابعًا: من حيث النطاق الجغرافي: أهمية مُشاركة مُتخصصي المهنة مع منظمات وجمعيات المجتمع السعودي بِشتى المناطق؛ لِتخطيط وتقويم مشاريعها وخدماتها؛ لتتناسب مع الاِحتياجات الفعلية وللحدّ من هدر الموارد.
خامسًا: من حيث التسويق: إِطلاق فريق أو نادي لمُتخصصي الخدمة الاجتماعية (تطوعي)؛ لإثراء المُجتمع، ميدانيًا وإلكترونيًا؛ كمنصة لبث جهودهم والتوعية بالخدمات والجمعيات والمشاريع الصغيرة والقوانين المُستحدثة في الرؤية؛ لتعزيز طاقات الشباب ودمج التنمية بِالترفيه مِن خلال الإشادة بالأنشطة الثقافية الهامة.
وأخيرًا: فالخدمة الاِجتماعية كمهنة تنموية، زاخِرة بِالتطورات العلمية والميدانية بمُختصيها الأكفاء على مرّ التاريخ، وتُساهم في تكاتفها مع المِهن الأُخرى وأجهزة المُجتمع وقياداته، وسواعد أبنائه خاصًة؛ بِتحقيق التوازن والتنمية لِلمُجتمع وتهيئته لِمواكبة تغييرات الرؤى والخُطط التنموية، على رأسها (رؤية 2030م) والتي تُعدّ مُنطلق مُعاصر وحقيقي لِتمكين مهنة الخدمة الاجتماعية في المجتمع السعودي، فنسأل الله توفيقًا وتمكينًا؛ لمُجتمع واعي ومُتساند.

قائمة المراجع:
– حمزة، أحمد إبراهيم (2015). التخطيط الاجتماعي، عمان، دار المسيرة، ط1.
– عثمان، إبراهيم وساري، سالم (2010). نظريات في علم الإجتماع، القاهرة، الشركة العربية المتحدة، ط1.
– موقع الرؤية: http://vision2030.gov.sa/ar
ويكيبيديا (رؤية 2030م): http://cutt.us/R_2030ksa