نحو تألق الخدمة الاجتماعية في المجتمع السعودي

إعداد: أروى محمد السقاف

مهنة الخدمة الاجتماعية من أهم التخصصات التي تسعى للنهوض بالمجتمعات وتطورها فهي تُعنى بالأفراد والجماعات وتسعى للوصول إلى الرفاهية الإنسانية المطلوبة. ولعظم هذه المهنة وقدرتها على إحداث التغيير كان لزاماً أن تتضافر جهودنا لتمكين الخدمة الاجتماعية بشكل أوسع والعمل على تألقها في المجتمع السعودي.
ولذا تدور أهداف هذه المقالة حول التعرف على أبرز التحديات التي لا زالت تواجه الخدمة الاجتماعية في المجتمع السعودي، والتعرف على أبرز السبل التي يمكن من خلالها مواجهة هذه التحديات والحد منها، والكشف عما هو مأمول من الخدمة الاجتماعية حاضراً ومستقبلاً في المجتمع السعودي.
السؤال المهم الذي ينبغي طرحه هو: هل الخدمة الاجتماعية الان بالمجتمع السعودي على مستوى التعليم والممارسة مؤهلة لمجابهة التغيرات الهائلة التي يمر بها المجتمع بما يمكنها من أخذ المكانة المجتمعية المستحقة؟ إن سرعة التغيرات المجتمعية لا توازي سرعة الاستجابة لها وخاصة من جانب الخدمة الاجتماعية وهذا ما يقودنا إلى التحديات المعيقة.
فهذه المهنة تواجه عدم اعتراف مجتمعي ويذكر (البريثن،2010): للإعتراف المجتمعي علاقة بدور الممارس المهني وإتاحة الفرصة أمامه ليمارس دوره بفعالية. ويعد التقدير المجتمعي الذي يأتي لاحقاً بعد الاعتراف المجتمعي هو أحد معايير الرضا الوظيفي للممارسين، وقد يُعزى ضعف الاعتراف المجتمعي للخدمة الاجتماعية بالوطن العربي لممارسات مهنية يقوم بها غير المتخصصين.
يمكن القول أن عدم وجود اعتراف مجتمعي للمهنة فتح المجال أمام تحديات كثيرة مثل: انسياب الكثير من خريجي الخدمة الاجتماعية بسبب قلة الفرص الوظيفية لوظائف مغايرة، وامتهان تخصص هذه المهنة من غير المختصين بها ، تدني أجور العاملين في هذا التخصص ،إضافة أن بعض الأخصائيين الاجتماعيين يجهلون حقيقة دورهم ومسؤولياتهم وبالتالي لم ينجحوا في إثبات أهمية المهنة، عدم فهم العاملين من الاختصاصات المختلفة لدور الأخصائي الاجتماعي بفريق العمل مما يعيق تقديم المساعدات للأفراد.
من جهة أخرى هناك تحديات تتعلق بتعليم الخدمة الاجتماعية إذ ما زالت الجامعات السعودية في حاجة لوضع سياسة تعليم مشتركة للخدمة الاجتماعية ،وتقوم بتقنين الخطط الدراسية ووضع مناهج ترتقي بالحاجات التنموية المنشودة، والاهتمام بعملية التدريب الميداني للطلبة في مختلف ميادين الممارسة وخاصة لطلبة الدراسات العليا، كما يجب أن تهتم الجامعات بتتبع خريجي الخدمة الاجتماعية لتطويرهم وإشراكهم في ورش عمل ودورات تطلعهم على كل ما يستجد وتتناقش معهم وتستطلع آراؤهم حول بعض القضايا.
كما أن المؤسسات التي تضم تخصص الخدمة الاجتماعية تشكل تحدياً للمهنة حيث تعاني من مشكلات بيروقراطية روتينية ونظرتها قاصرة لدور الأخصائي الاجتماعي، كذلك مؤسسات التدريب الميداني غير مؤهلة بما يكفي لتدريب وإعداد الأخصائيين الاجتماعيين إما بسبب عدم كفاءة المدربين أو قصور الإمكانيات.
وهناك تحديات تتعلق بممارسة الخدمة الاجتماعية كصعوبة أقلمة نماذج الممارسة حيث يذكر العجلان بقوله “لا يزال الباحثين ينهلون بكثرة من التقدم المذهل في تعليم وممارسة الخدمة الاجتماعية في أمريكا وبريطانيا دون القدرة على التوقف لكي يلتقط المرء أنفاسه لتقييم الواقع الحالي” (العجلان،2006). أيضاً يواجه الخريج من هذا الاختصاص وجود فجوة بين الجانب النظري والتطبيقي عند الممارسة بسبب مثالية كثير من الكتب التي تصور الخدمة الاجتماعية بشكل نموذجي يختلف عن الواقع.
أما الإثراء النظري للمهنة فيتطلب زيادة عدد الكتب والأبحاث المحلية المتخصصة في كافة مجالات الخدمة الاجتماعية وخاصة تلك التي تتميز بنظريات ونماذج مبتكرة، ويتطلب أيضا توافر قواعد معلومات كافية تفي بحاجات وأغراض ممارسي الخدمة الاجتماعية عند الممارسة.
وتذكر (المسيري واخرون،2016) أن من ضمن التحديات ستزداد أعداد السكان وستزداد معها الفئات المعرضة للمخاطر وستتأثر الظروف البيئية بعوامل كثيرة مما يستدعي الالتفات لاحتياجات عديدة وتوفير خدمات جديدة.
إن تلك التحديات تحتاج لتضافر الجهود كافة لإيجاد أنسب السبل التي يمكن من خلالها الحد من هذه التحديات والقدرة على تمكين هذا الاختصاص ومن تلك السبل:
أن يكون هناك دعم رسمي للمهنة من كافة جهات المجتمع كوزارة التعليم والصحة وخاصة وزارة العمل والتنمية الاجتماعية لأنها هي أكثر الجهات المسؤولة عن دعم المهنة، وتضمين دور الأخصائي الاجتماعي في التشريعات الاجتماعية مع الأخذ بالمشاركة الشعبية، بالإضافة لفتح قنوات اتصال بين نسق الخدمة الاجتماعية والأنساق الاجتماعية الأخرى لتسهيل الاتصال بين الأخصائي ومؤسسات المجتمع وأيضاً لتواصل الاخصائيين الاجتماعيين بين بعضهم، والأخذ بأهداف الخدمة الاجتماعية التنموية المستثمرة للإمكانيات والخدمة الاجتماعية الوقائية المانعة للمشكلات وعدم التركيز فقط على الخدمة الاجتماعية العلاجية، كما يجب الأخذ بتوصيات أبحاث الخدمة الاجتماعية، ولا نغفل أن وسائل الإعلام يمكن أن تقدم في محتوياتها ما ينص على ماهية هذه المهنة وأهميتها.
وأما عن مسؤولية الأخصائيين الاجتماعيين ينبغي أن يعملوا على إيجاد هوية للخدمة الاجتماعية السعودية المتجددة تتناسب مع المجتمع السعودي، ويوجهوا الاهتمام للممارسة على مستوى الوحدات الكبرى، ويجب قيامهم بمزيد من دراسات وكتب تهتم بالقضايا الاجتماعية السعودية والقيام بترجمة الكتب العالمية لمواكبة ما يستجد في الخدمة الاجتماعية بما يتناسب مع المجتمع السعودي، كما يجب عليهم الربط بين البحث العلمي والممارسة المهنية وصولاً لممارسة مقننة على مستوىً عالٍ.
وأما عن مسؤولية وزارة العمل والتنمية الاجتماعية ينبغي أن تواجه ضرورة الأخذ بتضمين تواجد الأخصائي الاجتماعي بشكل صريح في سياساتها حيث أن وجوده سيسهم في رفع مستوى الإنتاجية العمالية وتمكين توظيفه في شتى الميادين العملية سينمي المجتمع ككل. إلى جانب أنه ينبغي رفع الحد الادنى للأجور من 3000ريال إلى 5000 ريال للمهن ومنها مهنة الخدمة الاجتماعية بما يتناسب مع كل مجال من مجالات ممارستها.
وفيما يتعلق بمسؤولية المؤسسات التي تُعنى بالخدمة الاجتماعية إذ ينبغي أن تحدد وصفاً وظيفياً للأخصائيين الاجتماعيين يجاري واقع المجتمع السعودي ورؤيته المستقبلية، والعمل على توفير عدد مناسب من الأخصائيين الاجتماعيين للتعامل مع العملاء بالشكل المطلوب في كل مؤسسة.
والمأمول من الخدمة الاجتماعية حاضراً ومستقبلاً في هذا المجتمع هو:
أولا: ينبغي العناية بشكل أكبر بالبرامج الوقائية أكثر من البرامج العلاجية السائدة في المنظمات الاجتماعية لمختلف الفئات، والاهتمام بتحديث وتنويع خدمات الرعاية الاجتماعية حتى تواكب المتغيرات، واستحداث مجتمعات منتجة وليس أسر منتجة فقط.
ثانيا: العمل على التوسع في مجال الخدمة الاجتماعية الدولية التي تتيح الاتصال العالمي للأخصائيين الاجتماعيين بين بعضهم البعض.
ثالثا: الاتجاه بشكل أكبر للأبحاث البينية مع الخدمة الاجتماعية فهناك الكثير من العلوم المتعددة التي يمكن أن تستفيد منها الخدمة الاجتماعية ما دامت محتفظة بهويتها .
رابعا: الأخذ بالمجالات المستحدثة في الخدمة الاجتماعية بشكل تدريجي لتطوير المهنة والمجتمع مثل: التسويق الاجتماعي، الخدمة الاجتماعية المالية خاصة في ظل تغير اقتصاد البلد، الخدمة الاجتماعية في الشوارع ومع المشردين والعصابات، الخدمة الاجتماعية العسكرية، الخدمة الاجتماعية مع أقسام الطوارئ، الخدمة الاجتماعية مع الموارد البشرية. نحن بحاجة لتوسيع توظيف الأخصائيين الاجتماعيين في الشركات الاقتصادية وفي المصانع وفي البنوك وحتى في الأسواق التجارية فتواجد الأخصائي الاجتماعي اليوم أصبح مطلباً في كثير من الجهات فهو يتعامل مع المواقف بحرفية ويراقب السلوكيات ويتفهم الاحتياجات وتوجهات الناس العامة. ومن هذا المنطلق فإننا نوصي بما يلي:
-تشجيع الباحثين والممارسين على القيام بمزيد من الأبحاث والدراسات في هذه المجالات المستحدثة في الخدمة الاجتماعية.
-صياغة سياسات جديدة في تعليم الخدمة الاجتماعية ضمن هذه المجالات بإقرارها كمقررات دراسية محددة فيها آلية عمل واضحة لكل مجال، وإتاحة الفرصة لطلبة الدراسات العليا أن يتخصصوا فيها ويتدربوا تدريباً ميدانياً بحسب كل تخصص دقيق من هذه المجالات.
-الاستفادة من تجارب وخبرات الدول التي تتبنى هذه المجالات الجديدة باستقطاب الكفاءات والتعلم منها وعقد ندوات ومؤتمرات دورية للإطلاع على أحدث الاتجاهات في هذه المجالات.
ختاماً يمكننا تلخيص ما سبق ذكره في هذا المقال الذي تطرق للحديث عن أبرز التحديات التي لا زالت تواجه الخدمة الاجتماعية بالمجتمع السعودي وتم ذكر عدد من التحديات بنظرة شاملة وتناول المقال مايدور حول أبرز السبل التي يمكن من خلالها مواجهة التحديات وتم طرح بعض المقترحات والمسؤوليات.واختتم المقال بالمأمول من الخدمة الاجتماعية حاضراً ومستقبلاً في هذا المجتمع.
نستنتج مما تم عرضه أن المجتمع السعودي يتطلع لتمكين الخدمة الاجتماعية بشكل أكبر في مختلف الميادين خاصة أنه يمر بموجة متغيرات عديدة تحاول المهنة أن تجاري هذه الاحتياجات المجتمعية. نستنتج أيضاً أن كثير من تحديات الخدمة الاجتماعية في ظل ازدهار المجتمع من مختلف جوانبه وفي ظل رؤية المملكة الحديثة بدأت تتقلص هذه التحديات تدريجياً بسبب عمق الاهتمام بالمجال الاجتماعي ككل. كذلك تضافر جهود الاخصائيين الاجتماعيين مع الأنساق المجتمعية سيسهم في نمو الخدمة الاجتماعية بشكل أسرع وأفضل. إنه يمكننا بعزم وإرادة الوصول إلى التمكين الاجتماعي المنشود وإن بلوغنا لمرحلة تحقيق ما هو مأمول في أي مهنة هو بداية عصر التنوير لها.

قائمة المراجع:
1-البريثن،عبد العزيز(2010). مقالات في الخدمة الاجتماعية.(ط1). عمَان: دار الفكر
2-المسيري، نوال وآخرون(2016). مقدمة في الخدمة الاجتماعية بمنظور معاصر.(ط2). الرياض: مكتبة الرشد.
3-العجلان، أحمد(2006). هوية الخدمة الاجتماعية في المجتمع السعودي، القاهرة، مجلة دراسات في الخدمة الاجتماعية والعلوم الانسانية. (20). (1). 83—98.