فيض الخاطر .. العلاج بالقراءة من منظور الخدمة الاجتماعية

بقلم : د. كلثم جبر
profile-girl
من النظريات المعروفة في مجال الخدمة الاجتماعية العيادية هي نظرية “العلاج بالقراءة”، وهي واحدة من الأساليب العلاجية المتبعة في الخدمة الاجتماعية، ومنها العلاج الأسري، والعلاج المعرفي السلوكي، والعلاج المتمركز على الحل، وغير ذلك من أساليب العلاج التي تمارس في الخدمة الاجتماعية، والقراءة بصفة عامة هي استراحة ممتعة للقراء المداومين على ممارستها، فهي تخفف من ضغوط المرض، وتفتح أمام المريض آفاق المعرفة، لتعينه على تخطي المحبطات، وتنقذه من الممارسات الخاطئة التي قد تزيد من مرضه لا قدر الله، وفي كتاب “الخدمة الاجتماعية العيادية” خصص الأستاذ الدكتور رأفت عبدالحميد محمد، فصلاً كاملاً للعلاج بالقراءة، وفي هذا الفصل نتعرف على تفاصيل وافية عن العلاج بالقراءة، ويعرف عبدالله حسين متولي 2003م في كتابه “مبادئ العلاج بالقراءة” أن العلاج بالقراءة: (هو عملية يتم فيها استخدام مختلف أنماط النتاج الفكري، أيا كان الشكل المادي الذي صب فيه، ثم إقامة حوار ونقاش حول هذا النتاج بشكل منهجي منظم ضمن برنامج علاجي تدعيمي تأهيلي سابق الإعداد، ويهدف إلى مساعدة فرد بعينه، أو مجموع أفراد في التغلب على ما يعانون من مشكلات نفسية أو بدنية أو اجتماعية.. إلخ، من خلال تبصيرهم بأبعاد تلك المشكلات كخطوة أولى نحو حلها، أو على الأقل التعايش معها)، ولا ننسى ما حملته الثقافة الإسلامية من إشارات واضحة عن العلاج بالقرآن الكريم، مصداقاً لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّكُم وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى ورحمة لِلمُؤمِنِين). وكذلك قوله تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِين)، وقد عرف المسلمون في وقت مبكر العلاج بقراءة القرآن على المرضى في مستشفياتهم، إلى جانب الاهتمام بالعلاج بالجراحة والعقاقير.

والعلاج بالقراءة لا يقتصر على الحالات النفسية، بل والبدنية والاجتماعية أيضاً، فما يمكن للذاكرة أن تحتفظ به من معلومات نتيجة القراءة كفيل بأن يحفظ للمريض توازنه في مجابهة الإشكالات التي قد يتعرض لها، كما أن ذلك أيضاً يساعده على المشاركة في مواضيع النقاش المختلفة التي تطرح أمامه، مما يكسبه الثقة بالنفس، والإحساس بأهميته على المستوى الاجتماعي، وهذا يحيي في وجدانه الرغبة في مقاومة المرض، والانتصار عليه بإذن الله، فلا يوجد ما هو أشد خطراً على المريض من فقدان الثقة بالشفاء، والاستسلام للمرض، ومن جانب آخر فإن الانشغال بالقراءة تحول بين المريض والفراغ الذي كثيراً ما يقود إلى الأفكار السلبية، ومنها الوساوس واليأس والشك في إمكانيات الشفاء، ثم إن القراءة كثيراً ما تقود إلى الفهم العميق للواقع، والتعامل معه دون ضغوط تعرقل الشفاء، أو تمحو الأمل في تحقيق هذا الشفاء.

ولا بد هنا من الإشارة إلى أهمية استراتيجية المتابعة في العلاج بالقراءة، من خلال بعض الأنشطة التي لابد أن يقوم “المعالج” وهو الأخصائي الاجتماعي بتنفيذها، ومنها استمرار العلاقة بالكتاب من خلال تلخيصه، ومناقشة موضوعه، والتوسع في هذه المناقشة لتشمل كتباً أخرى مشابهة، والعودة إلى شخصيات الكتاب، لوضع تصور جديد عن دورها في أية أحداث مفترضة في الكتاب، لتعميق الصلة بين المريض وهذا الكتاب، (وسوف يجد الأخصائي الاجتماعي في ممارسة العلاج بالقراءة من خلال الكتب والروايات الخيالية، وكتب الاعتماد على الذات.. أسلوباً علاجياً هاماً في تدعيم وتعزيز عائد الممارسة العيادية) حيث ترتكز ممارسة العلاج بالقراءة على بعض الأسس والقواعد التي توجه الممارسة المهنية للأخصائي الاجتماعي في تدخله المهني مع العملاء، بالإضافة إلى جميع المبادئ العامة للخدمة الاجتماعية، وخدمة الفرد بصفة خاصة. وبذلك تصبح القراءة جزءًا مكملا للتدخل المهني، إن لم تكن هي وحدها العلاج في بعض الحالات المرضية، خاصة إذا تمكن العلاج بالقراءة من إمداد العميل برؤية داخلية لمشكلاته المرضية، وكما قيل فإن معرفة المرض جزء من علاجه.

المصدر